حين تلتقي حضارتان عريقتان في صناعة المستقبل !!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح 
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
هناك مناسبات لا ينبغي أن نقرأها من زاوية البروتوكول فقط.
وهناك لقاءات تتجاوز السياسة والاقتصاد لتلامس معنى أعمق في التاريخ.
وأعتقد أن اللقاء المصري الصيني الذي يحتفي بسبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين هو واحد من هذه اللحظات.
فمصر تستقبل الصين اليوم باعتبارها شريكًا وصديقًا وتجربة تنموية كبيرة.
لكنني أرى في هذه المناسبة معنى أكبر بكثير.
إنها لحظة تلتقي فيها حضارتان من أقدم الحضارات التي عرفها الإنسان.
الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية العريقة.
حضارتان صنعتا المعرفة وبنتا الدولة وطورَتا العلوم وتركَتا أثرًا تجاوز حدودهما الجغرافية ليصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية.
ولهذا فإن قيمة هذه المناسبة لا تكمن فقط في النظر إلى ما حدث خلال سبعين عامًا من العلاقات بين مصر والصين.
بل في أن نسأل ماذا يمكن أن يحدث خلال العقود القادمة.
فالتاريخ لا تكون قيمته الحقيقية في أن نتذكره فقط.
قيمته في أن نعرف كيف نحوله إلى قدرة على صناعة المستقبل.
وهنا تصبح التجربة الصينية واحدة من أهم التجارب التي تستحق الدراسة.
الصين لم تصل إلى موقعها الحالي لأنها امتلكت تاريخًا عظيمًا فقط.
فالتاريخ وحده لا يصنع اقتصادًا قويًا.
الصين نجحت لأنها استطاعت في مرحلة حديثة من تاريخها أن تحول قدراتها البشرية والمادية إلى قوة إنتاجية وأن تربط هذه القوة بالأسواق العالمية.
وهذه هي النقطة التي أرى أنها تستحق التأمل بعيدًا عن التصنيفات السياسية الجاهزة.
فعند دراسة النموذج الصيني من الناحية الاقتصادية من المفيد أن ننظر إلى فكرة الاقتصاد الموجَّه وقدرة الدولة على تحديد الاتجاه العام وحشد الموارد وبناء القدرات ثم تركيز هذه القدرات على الإنتاج والتصدير والمنافسة العالمية.
هذه ليست دعوة إلى نسخ التجربة الصينية.
ولا يمكن لأي دولة أن تنسخ تجربة دولة أخرى.
لكنها دعوة إلى فهم الآلية التي جعلت الصين قادرة على الانتقال من مرحلة صعبة إلى واحدة من أهم القوى الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية في العالم.
والأهم من ذلك هو أن الصين استطاعت أن تحول شعبها من مجرد كتلة سكانية ضخمة إلى طاقة إنتاجية هائلة.
وهنا أرى درسًا بالغ الأهمية للدول النامية.
فأكبر تحديات التنمية ليست دائمًا نقص المال أو الموارد.
أحيانًا تكون الموارد موجودة.
وتكون الخطط موجودة.
وتكون المشروعات موجودة.
لكن المشكلة تكون في القدرة على تحويل كل ذلك إلى نتائج.
وهنا تظهر أهمية الإدارة.
الدولة الحديثة لا تستطيع أن تتحرك بسرعة إذا كانت المؤسسات التي تنفذ سياساتها ما زالت تعمل بعقلية الماضي.
فالطبقة الإدارية التي تقف بين القرار الحكومي والتنفيذ على الأرض هي واحدة من أهم حلقات التنمية.
إذا كانت هذه الإدارة ترى أن وظيفتها الأساسية هي الحفاظ على الإجراءات وتجنب المسؤولية والخوف من التغيير فإنها تستطيع أن تعطل أفضل الخطط حتى لو كانت هذه الخطط صحيحة.
أما إذا أصبحت الإدارة شريكًا في التنمية فإنها تتحول إلى قوة هائلة تدفع الدولة إلى الأمام.
ولهذا فإن مصر في رأيي تحتاج إلى أن تنظر إلى الإصلاح الإداري باعتباره جزءًا من مشروع التنمية نفسه.
نحن لا نحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص.
نحتاج إلى تغيير المفاهيم.
نحتاج إلى إدارة تؤمن بأن وظيفتها ليست فقط تنفيذ ما صدر إليها من تعليمات.
بل فهم الهدف والمشاركة في تحقيقه.
نحتاج إلى موظف يرى الإنتاج قيمة.
ويرى الوقت قيمة.
ويرى الابتكار قيمة.
ويرى أن نجاح الدولة في تحقيق أهدافها هو جزء من نجاحه هو.
وهذه ليست مسألة إدارية صغيرة.
إنها قضية تنموية كبرى.
فالدول النامية كثيرًا ما تواجه مشكلة ثقافة اقتصادية واجتماعية تراكمت عبر سنوات طويلة.
ثقافة تجعل النمو مسؤولية الحكومة وحدها.
وتجعل المواطن ينتظر الوظيفة بدل أن يبحث عن فرصة.
وتجعل الإدارة تخشى الخطأ أكثر مما تبحث عن الإنجاز.
وتجعل المجتمع أحيانًا يقاوم التغيير لأنه يهدد حالة اعتاد عليها حتى لو كانت هذه الحالة أقل من طموحاته.
الصين واجهت هذه المعضلة بطريقة مختلفة.
فقد وجهت قدراتها البشرية نحو الإنتاج والتعليم والتصنيع والتصدير والبنية التحتية والتكنولوجيا.
ثم ربطت ذلك كله بالاقتصاد العالمي.
ومن هنا جاءت القوة.
فالاقتصاد القوي لا يبنى فقط من خلال الإنفاق.
بل من خلال بناء قدرة تستطيع أن تنتج وتنافس وتصدر.
وهذا هو الدرس الذي أراه مهمًا لمصر.
مصر لا تحتاج إلى أن تصبح الصين.
مصر تحتاج إلى أن تصبح مصر بكامل قدراتها.
لدينا موقع لا يتكرر.
ولدينا قناة السويس.
ولدينا سوق كبيرة.
ولدينا قوة بشرية كبيرة.
ولدينا تاريخ حضاري يجعل مصر واحدة من أكثر الدول قدرة على بناء جسور بين مناطق العالم.
مصر تستطيع أن تكون نقطة التقاء بين أفريقيا وآسيا وأوروبا والعالم العربي.
لكن الموقع وحده لا يكفي.
والتاريخ وحده لا يكفي.
والسكان وحدهم لا يكفون.
كل هذه عناصر قوة محتملة.
والتحدي الحقيقي هو تحويلها إلى قوة إنتاجية.
وهنا يمكن أن تصبح الشراكة المصرية الصينية أكثر عمقًا من مجرد التجارة والاستثمار.
يمكن أن تنتقل من شراء المنتجات إلى بناء القدرات.
ومن استيراد التكنولوجيا إلى توطينها.
ومن استقبال المصانع إلى بناء سلاسل إنتاج تستطيع أن تصدر من مصر إلى العالم.
وهذا في رأيي هو المستوى الأهم للعلاقة المصرية الصينية في المستقبل.
الصين تستطيع أن تجد في مصر بوابة كبيرة للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
ومصر تستطيع أن تستفيد من الخبرة الصينية في التصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والتصدير.
وعندما يلتقي الموقع المصري مع القدرة الصينية يمكن أن تتشكل فرصة اقتصادية تتجاوز مصالح البلدين.
يمكن أن تصبح مصر منصة إنتاج وتجارة تربط الشرق بالغرب.
ويمكن أن تصبح العلاقة المصرية الصينية نموذجًا لشراكة تنموية أوسع في أفريقيا والعالم النامي.
وهنا تصبح زيارة الصين لمصر في هذه المناسبة أكثر من زيارة رسمية.
إنها فرصة لأن تنظر حضارتان إلى بعضهما البعض بطريقة جديدة.
مصر تنظر إلى الصين لا باعتبارها قوة اقتصادية فقط بل باعتبارها تجربة استطاعت أن تحول تراكمها الحضاري إلى مشروع حديث.
والصين تنظر إلى مصر لا باعتبارها سوقًا فقط بل باعتبارها دولة تمتلك موقعًا وتاريخًا وموارد بشرية وقدرة على أن تكون مركزًا إقليميًا وعالميًا.
وهذا هو المعنى الذي أحتفي به في هذه المناسبة.
ليس المهم أن نقول إن مصر دولة قديمة وإن الصين دولة قديمة.
المهم أن نسأل كيف استطاعت حضارتان قديمتان أن تستمرا حتى العصر الحديث.
وكيف يمكن لهذا العمق التاريخي أن يصبح مصدرًا للقوة وليس مجرد مصدر للفخر.
الحضارة الحقيقية ليست ما تركناه خلفنا فقط.
الحضارة هي قدرتنا على إضافة شيء جديد إلى الإنسانية.
ومن هذه الزاوية فإن اللقاء المصري الصيني يحمل رسالة مهمة جدًا.
الصين استطاعت أن تنتقل من تاريخ عظيم إلى مستقبل قوي.
ومصر تملك كل المقومات التي تمكنها من أن تفعل الشيء نفسه بطريقتها الخاصة.
ولذلك فإنني أرى أن أفضل احتفاء بهذه المناسبة ليس فقط أن نتحدث عن الماضي.
بل أن نفتح نقاشًا جادًا حول المستقبل.
كيف نبني الإنسان؟
كيف نطور الإدارة؟
كيف نحول التعليم إلى قدرة إنتاجية؟
كيف نربط الاستثمار بالإنتاج؟
كيف نربط البنية التحتية بالتصدير؟
كيف نجعل القطاع الصناعي جزءًا من مشروع الدولة؟
وكيف نحول مصر من موقع جغرافي مهم إلى قوة اقتصادية تستفيد من هذا الموقع؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في قلب المرحلة القادمة.
فحين تلتقي مصر والصين لا ينبغي أن يكون الحديث فقط عن العلاقات بين دولتين.
بل عن العلاقة بين حضارتين وعن إمكانية أن تتحول خبرة الماضي إلى قدرة جديدة على صناعة المستقبل.
تحية للصين التي تأتي إلى مصر في هذه المناسبة الكبيرة.
وتحية لمصر التي تستضيف هذا اللقاء التاريخي
وتحية لحضارتين بقيتا حاضرتين رغم تغير العالم من حولهما
ربما جمعهما التاريخ منذ آلاف السنين
لكن الأهم أن يجمعهما المستقبل من جديد
ليس فقط من خلال الذكريات
ولا فقط من خلال الاتفاقيات
بل من خلال الإنتاج والمعرفة والتنمية والإنسان
حضارتان عريقتان
قدرات متراكمة
وفرصة واحدة لصناعة مستقبل جديد
وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم:
إذا كانت مصر والصين قد استطاعتا أن تصلا إلى هذا الحاضر بعد آلاف السنين من التاريخ فماذا يمكن أن تصنعا معًا في آلاف السنين القادمة ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مغاغة تستغيث... من يحمي أبناءنا قبل أن يصبح الدور على طفل جديد؟

معركة الوعي هي السد المنيع الذي يحول دون تكرار سيناريوهات التفتت التي عصفت بدول كانت يومًا ذات ثقل إقليمي.

*استثمار الذات* *ثروة فكرية*

قطاع جنوب الجيزه فى حزب حماه الوطن...

بداية معركة الوعي وتمهيد طريق التمكين للشباب

العنوان / الإنسان بين العلم والجهل .

َمازلَتُ أبَحثُ عَن قَلبَ يَحمِل هَذا الوَجعِ عنّي

كاذبووووو فقالو كاس العالم