أحيانًا نتعامل مع التصدير وكأنه المرحلة الأخيرة في المشروع الصناعي: ننتج أولًا، ثم بعد ذلك نبحث عن دولة نبيع لها.
أحيانًا نتعامل مع التصدير وكأنه المرحلة الأخيرة في المشروع الصناعي: ننتج أولًا، ثم بعد ذلك نبحث عن دولة نبيع لها.
وهذا التفكير يحتاج إلى تغيير كامل.
السوق المستهدف يجب أن يدخل في تصميم المصنع قبل أن يدخل المنتج خط الإنتاج.
لأن المنتج الذي ينجح في مصر ليس بالضرورة هو المنتج الذي ينجح في السعودية أو أوروبا أو أفريقيا. اختلاف القوة الشرائية، والمواصفات، والتغليف، وشروط الاستيراد، وحتى عادات المستهلك، يمكن أن يجعل المنتج نفسه ناجحًا في سوق وفاشلًا في سوق أخرى.
ولهذا فإن المصنع الذي يريد التصدير يجب أن يبدأ من سؤال مختلف:
من هو العميل الذي سأنتج من أجله؟
وليس:
ماذا أستطيع أن أصنع؟
الفرق بين السؤالين كبير جدًا.
عندما يبدأ المستثمر من قدرته الإنتاجية، قد ينتهي به الأمر إلى البحث عن سوق لتصريف إنتاجه.
أما عندما يبدأ من احتياج سوق محدد، فإنه يستطيع تصميم المنتج والطاقة الإنتاجية والمواصفات والتغليف وحتى موقع المصنع وفقًا لهذا الاحتياج.
وهنا تظهر قيمة المعلومات التجارية.
مصر لديها علاقات واتفاقيات تجارية وأسواق قريبة، لكن الاتفاقية وحدها لا تصنع مصدرًا.
المصدر الحقيقي يحتاج إلى معرفة دقيقة بالسوق: حجم الطلب، المنافسون، الأسعار، شروط الدخول، الموزعون، تكاليف النقل، ومتطلبات الجودة.
والأهم أن يعرف المستثمر: هل لديه ميزة تنافسية أصلًا؟
فإذا كان المنتج المصري سيصل إلى العميل بسعر أعلى من المنتج المنافس، فما الذي سيدفع المستورد إلى شرائه؟
هل الجودة أفضل؟
هل التسليم أسرع؟
هل المنتج أكثر ملاءمة؟
هل هناك ميزة في التصميم؟
هل يمكن تقديم خدمة ما بعد البيع؟
هذه هي الأسئلة التي يجب الإجابة عنها قبل ضخ الملايين في خط الإنتاج.
وهنا أرى أن لدينا فرصة كبيرة في أفريقيا تحديدًا.
القرب الجغرافي يعطي مصر ميزة مهمة، لكن القرب وحده لا يكفي.
المنافسة موجودة من دول آسيوية وتركية وعربية، وبعضها يمتلك سلاسل توريد قوية وتكاليف إنتاج منخفضة.
لذلك لا يمكن أن تكون استراتيجيتنا ببساطة: «نحن أقرب».
يجب أن نضيف إلى القرب سرعة وتكلفة وجودة وتمويلًا وخدمة.
والأمر نفسه ينطبق على الأسواق العربية.
وجود سوق كبير قريب لا يعني أن المنتج المصري سيصل إليه تلقائيًا.
المصدر يحتاج إلى موزع قوي، وإمداد منتظم، ومواصفات معتمدة، وخدمة ما بعد البيع، وقدرة على الحفاظ على السعر لفترة طويلة.
وهنا نصل إلى مشكلة أخرى في الصناعة المصرية:
بعض الشركات تستطيع تصدير شحنة أو اثنتين، لكنها لا تستطيع الحفاظ على التوريد المنتظم.
وهذا يجعل العميل الخارجي مترددًا في بناء علاقة طويلة الأجل.
العميل العالمي لا يبحث فقط عن منتج جيد؛ يبحث عن مورد يمكن الاعتماد عليه.
وهذه نقطة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من تطوير الصناعة.
أن ننتقل من ثقافة «نصدر عندما تتاح فرصة» إلى ثقافة «نبني مصنعًا لأن لدينا استراتيجية تصدير واضحة».
وعندما يحدث ذلك، تتغير طريقة اتخاذ القرار بالكامل.
اختيار المنتج يصبح مختلفًا.
اختيار التكنولوجيا يصبح مختلفًا.
حتى حجم المصنع ورأس المال العامل يتغيران.
التصدير ليس بابًا نطرق عليه بعد انتهاء الإنتاج.
التصدير يجب أن يكون حاضرًا منذ أول يوم نضع فيه تصميم المصنع على الورق.
لأن المصنع الذي يعرف لمن سينتج، وبأي سعر، وإلى أي سوق سيبيع…
لديه فرصة أكبر بكثير من مصنع ينتج أولًا ثم يبدأ في البحث عن مشترٍ.
بقلم د نهي غانم
تعليقات
إرسال تعليق