المشكلة ليست في نقص المصانع… أحيانًا المشكلة في المصنع الخطأ

كلما أردنا زيادة الإنتاج، يكون الحل الأول الذي نفكر فيه: نبني مصنعًا جديدًا.
لكن هل هذا دائمًا هو الحل الصحيح؟
أحيانًا تكون المشكلة الحقيقية أن لدينا طاقات إنتاجية قائمة لا تعمل بكامل قدرتها.
مصنع يعمل بنسبة 40% من طاقته، وآخر لديه خط إنتاج متوقف، وثالث يمتلك المعدات لكنه يعاني نقص رأس المال العامل، ورابع ينتج منتجًا لا يناسب احتياجات السوق.
وفي الوقت نفسه، يأتي مستثمر جديد ويطلب أرضًا جديدة لبناء مصنع ينتج المنتج نفسه.
هنا يجب أن نتوقف قليلًا.
هل نحتاج فعلًا إلى مصنع جديد؟ أم نحتاج أولًا إلى تشغيل ما لدينا بكفاءة أكبر؟
زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة عدد المصانع.
قد نحقق قفزة كبيرة في الإنتاج الصناعي بمجرد رفع معدلات التشغيل في المصانع القائمة.
وهذا في حد ذاته يحتاج إلى سياسة مختلفة.
نحتاج إلى معرفة الطاقة الإنتاجية الفعلية لكل قطاع، وليس فقط عدد المصانع المرخصة.
كم مصنعًا يعمل؟
كم مصنعًا متوقف؟
كم مصنعًا يعمل بأقل من نصف طاقته؟
وما السبب؟
إذا كان السبب تمويلًا، فالحل قد يكون تمويل رأس المال العامل.
إذا كان السبب ديونًا، فقد تكون إعادة الهيكلة هي الحل.
إذا كان السبب ضعف الإدارة، فقد يحتاج المصنع إلى مستثمر أو إدارة جديدة.
إذا كان السبب عدم وجود سوق، فقد نحتاج إلى تغيير المنتج أو توجيهه للتصدير.
أما إذا كانت المشكلة في التكنولوجيا، فقد يكون تحديث خط الإنتاج أكثر جدوى من إنشاء مصنع جديد بالكامل.
هذه البيانات مهمة جدًا عند التخطيط للصناعة.
لأن الأرض والتمويل والطاقة والعمالة كلها موارد محدودة.
وإذا استخدمناها لإنشاء طاقات إنتاجية مكررة بينما توجد طاقات قائمة غير مستغلة، فنحن لا نستخدم مواردنا بأعلى كفاءة.
لكن هناك جانبًا آخر أكثر أهمية.
المصنع المتعثر ليس بالضرورة مصنعًا فاشلًا.
أحيانًا يكون لديه أصل ممتاز وموقع جيد وعمالة مدربة وعملاء سابقون، لكنه يحتاج فقط إلى إعادة تشغيل ذكية.
وهنا يمكن أن يظهر دور الاستثمار الخاص بصورة أكبر.
بدلًا من أن يبدأ المستثمر من الصفر، يمكنه شراء مصنع قائم، وإعادة هيكلته، وتحديث معداته، وإضافة منتج جديد، ثم تشغيله خلال فترة أقصر بكثير.
وهذا قد يكون أكثر جاذبية للمستثمر من إنشاء مشروع جديد بالكامل.
لكن حتى يحدث ذلك، نحتاج إلى سوق أكثر شفافية للمصانع والأصول الصناعية.
نحتاج إلى معلومات واضحة عن المصانع المتوقفة، وأصولها، ومساحاتها، وطاقة خطوط الإنتاج، وحالتها القانونية، واحتياجات إعادة التشغيل.
عندها يمكن أن تتحول الأصول الصناعية المعطلة إلى فرص استثمارية حقيقية.
والفكرة لا تعني التوقف عن إنشاء مصانع جديدة.
بالعكس، هناك صناعات جديدة تحتاج إلى طاقات جديدة، وهناك قطاعات يجب أن نتوسع فيها بقوة.
لكن القرار يجب أن يبدأ من البيانات:
هل السوق يحتاج هذه الطاقة؟
هل لدينا طاقة قائمة يمكن تطويرها؟
هل الأفضل إنشاء مصنع جديد أم الاستحواذ على مصنع قائم؟
وهل الاستثمار الجديد سيضيف صناعة جديدة فعلًا، أم سيكرر طاقة موجودة بالفعل؟
هذه الأسئلة قد توفر على المستثمر والدولة أموالًا ووقتًا كبيرًا.
وفي النهاية، التنمية الصناعية ليست مسابقة في عدد المباني التي تحمل لافتة «مصنع».
المصنع الحقيقي هو الذي يعمل، وينتج، ويبيع، ويوظف، ويدفع ضرائب، ويستطيع المنافسة والتوسع.
لذلك ربما يكون أحد أهم مؤشرات نجاح السياسة الصناعية في مصر خلال السنوات المقبلة:
ليس كم مصنعًا جديدًا أضفنا؟
بل:
كم مصنعًا كان متوقفًا وأعدناه إلى الإنتاج؟ وكم مصنعًا قائمًا رفعنا طاقته من 40% إلى 80%؟
لأن أحيانًا أسرع طريق لزيادة الإنتاج…
ليس أن نبني مصنعًا جديدًا، وإنما أن نعيد الحياة إلى مصنع موجود بالفعل.
بقلم د نهي غانم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مغاغة تستغيث... من يحمي أبناءنا قبل أن يصبح الدور على طفل جديد؟

معركة الوعي هي السد المنيع الذي يحول دون تكرار سيناريوهات التفتت التي عصفت بدول كانت يومًا ذات ثقل إقليمي.

*استثمار الذات* *ثروة فكرية*

قطاع جنوب الجيزه فى حزب حماه الوطن...

بداية معركة الوعي وتمهيد طريق التمكين للشباب

العنوان / الإنسان بين العلم والجهل .

َمازلَتُ أبَحثُ عَن قَلبَ يَحمِل هَذا الوَجعِ عنّي

كاذبووووو فقالو كاس العالم