وجع الروح

جلست تُلملم شتات روحها قبل كِلماتها والدموع تُخط على وجنتيها خرائط من الأسى والحزن الجسيم وبدأت ترسم بفرشاة الذكريات أطياف ماض كان يرفل بالنّعيم فقالت بصوت يتأرجح بين الحنين والانكسار كنا أصدقاء الدرب على مقاعد كلية التربية نبني بالحلم غدنا وتخرجنا لنجد أنفسنا جنبا إلى جنب في ذات المدرسة وتوجنا عشقنا بالزواج فكنا أسطورة في الهناء وحفل بنا الصفا حتى حين لاحت لنا فرصة الإعارة إلى إحدى الدول العربية فسافرنا معا وكأن الدنيا بأسرها تبتسم لنا وزادت بهجتنا حين رزقنا بفرساننا الثلاثة ولدين وبنت كملوا لنا نصاب السعادة وعندما غادر والدي الحياة وورثت منه قطعة أرض لم أتردد وأرسلت أوراقها لأخي ليشيّد عليها بناية من خمسة طوابق لتكون مأوانا وملاذنا  بعد رحلة العمر ورحيلنا إلى التقاعد ومضت الأيام هادئة كجدول ماء وأُحلنا معا إلى المعاش وكان أصغر أبنائنا حينها يستعد لخوض امتحانات الثانوية العامة وكانت الحياة مستقرة وثابتة وكانت تطرق بابنا شهريا امرأة أرملة فقيرة تمد يدها لطلب العون فكنت أرق لحالها وأخصص لها راتبا شهريا يعينها على تربية طفلها اليتيم لكن القلوب تقلبها الليالي وفجأة بدأ شريك العمر يتغير وتسرّبت الهمسات إلى أذني  كاسم فقالوا لي إنهم رأوه يقف مع تلك الأرملة الفقيرة عند الساقية فقلت في نفسي هو عطف ونخوة منه لا أكثر وقال آخرون إنهم رأوه يسامر امرأة في أحد المقاهي فكذّبت عيني وعقولهم وقلت هيهات ليست هذه أخلاق  زوجي غير أن هجره لم يعد سرا فبات يفضل النوم على الأريكة بعيدا عن مضجعي وتعاظمت ظلال الريبة فجمعت بقايا شجاعتي ودنوت منه وقلت بصوت يملؤه الوجل ما بك يا حبيبي أشعر أنك تبتعد وتتسرب  من بين يدي هجرت مضجعك وابتعدت فهل من سر تخفيه عني فنظر إلي ببرود كا جليد الشتاء وقال في الحقيقة كنت أنتظر أن ينهي أحمد امتحاناته لننفصل فذهلت وارتجفت  وسألته ولماذا فقال بصلادة لأنني أحب دلال المرأة التي تأتي كل شهر لطلب الحسنة فصرخت بغير تصديق المتسولة فضغط على أسنانه قائلا لا تقولي عنها متسولة فاستجمعت كبريائي المجهد وقلت وما المشكلة إن كنت ترغب بها فتزوجها ودعنا على حالنا لكنه ألقى بالصدمة الكبرى حين قال لقد اشترطت علي أن أطلقك أولا حتى توافق علي الزواج  ولم يكتف بذبح مشاعري بل جردني من كل شيء وأخذ كل الأموال المودعة في الحساب البنكي وقال  يكفيك المبنى فإيجاره سيؤمن لك عيشا كريما ورحل  ليتوج المتسولة هانم فتحدثت مدينة الزقازيق بأسرها عن قصة الغدر التي لم يشهدوا لها مثيلا ومرت ثلاثة أعوام كأنها دهور وجاءتني ابنتي بدموع حارقة تقول إن شابا تقدم لخطبتها وحين قصدت أباها قال لها ببرود لا أملك مالا لتجهيز أحد فحضنتها إلى صدري وقلت لا تبكي يا حبيبتي أنا سأجهزك من ألفها إلى يائها ولم أكتف بذلك بل وهبت أبنائي جميعا شققا في العمارة ليتزوجوا فيها ويعمروا حياتهم وبعد خمس سنوات من كبرياء المكر فاضت روحه إلى بارئها وتلك التي جعل منها هانما رفضت حتى أن تشتري له كفنا واحتفظت بالأموال التي سلبها مني وهربت فقام أبناؤه بشراء كفنه وغسلوه وواروه الثرى بأيديهم ورحل ولم يترك خلفه سوى سيرة تتناقلها الألسن ودرس أزلي يتردد صداه في الآفاق اتق شر من أحسنت إليه
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مغاغة تستغيث... من يحمي أبناءنا قبل أن يصبح الدور على طفل جديد؟

معركة الوعي هي السد المنيع الذي يحول دون تكرار سيناريوهات التفتت التي عصفت بدول كانت يومًا ذات ثقل إقليمي.

*استثمار الذات* *ثروة فكرية*

قطاع جنوب الجيزه فى حزب حماه الوطن...

بداية معركة الوعي وتمهيد طريق التمكين للشباب

العنوان / الإنسان بين العلم والجهل .

َمازلَتُ أبَحثُ عَن قَلبَ يَحمِل هَذا الوَجعِ عنّي

كاذبووووو فقالو كاس العالم