حين نُبرِّر القبح… ونُسمّيه وعيًا !!!!!
حين نُبرِّر القبح… ونُسمّيه وعيًا !!!!!
حين يصبح الهدم سهلاً والنجاح عبئًا !!!
مجتمع يجيد الهدم أكثر من الاعتراف !!!
بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
لم يكن ما دفعني للكتابة نابعًا من مشهدٍ عابر ولا من اسمٍ تصدّر الحديث بل من فكرةٍ باتت تتكرّس في وعينا الجمعي :
أن نُبرّر ما هو واضح الخطأ طالما ارتدى ثوب “ الرأي ” .
فالأزمة لم تعد في الفعل ذاته بل فيما يليه .
في تلك اللحظة التي لا يُراجع فيها السلوك ولا يُسائل فيها الضمير بل يُعاد تأويل الخطأ حتى يبدو مقبولًا… بل مشروعًا .
نحن لا نُخطئ فقط بل نُدافع عن الخطأ .
وحين يُساء إلى رمز لا نتوقف لنسأل :
هل تجاوزنا ؟
بل نلجأ سريعًا إلى التبرير :
“ هذا نقد طبيعي ” .
وحين يُقزَّم إنجاز ظاهر لا يُستدعى سياقه ولا يُحترم تراكُمه بل يُقال بثقة باردة :
“كان يمكنه أن يفعل أكثر ” .
وكأن الاعتراف بالفضل صار خضوعًا وكأن الإنصاف بات ضعفًا وكأن التقدير يحتاج إلى إذنٍ اجتماعي .
لقد انتقلنا من مرحلة التقليل إلى مرحلة أخطر :
تطبيع التقليل .
لم يعد السلوك مستهجنًا بل مألوفًا .
ولم تعد القسوة صادمة بل متوقعة .
وأصبح التجريح ممارسة يومية
تُغلَّف بلغة منطقية زائفة .
نحن لا نمارس نقدًا بل نمارس نزعًا للقيمة .
نجرّد الإنجاز من زمنه ونفصل الفعل عن سياقه ونحاكم اللحظة بلا ذاكرة ثم نُطلق على ذلك اسم “الوعي ” .
لكن الوعي لا يُبنى على الانفعال ولا يُختزل في ردّ فعل لحظي ولا يتكوّن من غضبٍ جماعي سريع الاشتعال سريع الخمود .
الوعي الحقيقي يعرف الفرق بين التقييم والتصفية بين النقد والتشفي بين الرأي والمسؤولية الأخلاقية .
ما يثير الاستياء حقًا ليس اختلاف الناس بل اتفاقهم على القسوة .
أن يتحول الانتقاص إلى لغة وأن يصبح الهدم ممارسة اعتيادية
وأن نعتاد رؤية الرموز تُستنزف أمام أعيننا دون أن نشعر بخللٍ أخلاقي .
فالمجتمع الذي لا يُحسن الاعتراف بالإنجاز في لحظته لا يفقد رموزه فقط بل يفقد قدرته على الإلهام .
وحين يصبح النجاح عبئًا على صاحبه تتحول كل محاولة للتميّز إلى مغامرة مؤلمة .
لسنا أمام أزمة أشخاص بل أمام خلل في المفهوم ذاته :
مفهوم الإنجاز ومكانته وقيمته في الوعي الجمعي .
ربما لم تكن مشكلتنا يومًا في غياب الإنجاز بل في غياب القدرة على رؤيته وهو يحدث .
وربما لم نفشل في صناعة الرموز
بل فشلنا في التعامل معها إنسانيًا .
ما بين التقليل من النجاح أثناء حدوثه وتبرير التقليل بعد وقوعه تتكوّن دائرة مغلقة لا ينجو منها أحد .
فالإنجاز يُولد متهمًا ويعيش مُرهقًا ولا يُعترف به إلا بعد أن يتحول إلى ذكرى .
وهكذا لا نخسر الأشخاص فقط بل نخسر المعنى .
معنى أن نفرح أن ننصف أن نُقدّر الجهد قبل أن يصبح ماضيًا لا يطالبنا بشيء .
لذلك لم تكن هذه الكلمات دفاعًا ولا انفعالًا بل محاولة أخيرة للتمسك بسؤال بسيط :
هل ما زلنا نعرف كيف نُصفّق في اللحظة الصحيحة ؟
تعليقات
إرسال تعليق