من استرداد الآثار إلى استرداد الوعي !!!!قراءة شخصية في معركة مصر مع ذاكرتها !!!!

 بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
أكتب هذا المقال لا بصفتي مؤرخًا ولا عالم آثار بل بصفتي مواطنًا مصريًا يتابع وينفعل أحيانًا ويشعر أحيانًا أخرى بالقلق من الطريقة التي نتعامل بها مع تاريخنا .
قضية استرداد الآثار بالنسبة لي لم تعد مجرد أخبار متفرقة عن قطعة عادت من الخارج أو معرض أُعيد ترتيبه، بل أصبحت سؤالًا أكبر : 
هل نعرف ماذا نريد من تاريخنا ؟ 
وهل ندافع عنه بوصفه وعيًا حيًا أم مجرد إرث جامد ؟
من خلال متابعتي للندوات والحلقات التليفزيونية والنقاشات العامة حول الحضارة المصرية لاحظت أن المعركة الحقيقية لا تُدار فقط في قاعات المحاكم أو المفاوضات الدولية بل تُدار قبل ذلك بكثير في الوعي العام .
المشكلة ليست في الخارج فقط
من السهل أن نحمّل المتاحف الغربية أو السياسات الاستعمارية القديمة مسؤولية وجود آثارنا خارج حدودنا . 
هذا صحيح جزئيًا لكنه ليس القصة كاملة .
المشكلة الأعمق  من وجهة نظري  أننا أحيانًا نترك فراغًا سرديًا فيملؤه الآخرون كما يشاؤون :
مرة بالأسطورة ومرة بنظريات خيالية ومرة بتقديم الحضارة المصرية كشيء “ غامض ” منفصل عن الإنسان المصري المعاصر .
ما يزعجني شخصيًا ليس فقط أن قطعة أثرية موجودة في متحف أجنبي بل أن كثيرًا من شبابنا لا يشعر أن هذه القطعة تخصه فعلًا أو تمثّل امتدادًا له .
حين يصبح الأثر بلا سياق
الأثر خارج سياقه يفقد جزءًا كبيرًا من معناه .
رأس نفرتيتي، مثلًا ليست مجرد تمثال جميل بل تعبير عن مفهوم متكامل للجمال والسلطة والتوازن في الحضارة المصرية .
وحجر رشيد لم يكن مهمًا لأنه حجر، بل لأنه أعاد للإنسانية مفتاح لغة كاملة .
حين تُعرض هذه القطع منفصلة عن أرضها، وعن سردها الثقافي تتحول من “ ذاكرة حيّة ” إلى “ مقتنى فني ” .
وهنا في رأيي، تبدأ خسارتنا الحقيقية .
وهنا أقول  بين العلم والضجيج فإن 
حضوري ومتابعتي لبعض الندوات الأخيرة كشف لي حجم الارتباك القائم بين العلم الحقيقي والخطاب الشعبوي الجذاب .
هناك خيط رفيع بين تبسيط المعرفة للجمهور وبين تسطيحها أو تحميلها ما لا تحتمل .
في لحظات كثيرة شعرت أن بعض النقاشات لا تخدم الحضارة المصرية بقدر ما تُربكها خاصة عندما تُطرح أفكار غير مدعومة علميًا ثم يُطلب من العلماء الرد عليها في سياق دفاعي.
العلم لا يجب أن يكون دائمًا في موقف الدفاع بل في موقع القيادة .
وهنا لا يمكن تجاهل دور شخصيات علمية بارزة مثل 
الدكتور زاهي حواس
 التي نجحت سواء اتفقنا أو اختلفنا معها في إعادة ملف الآثار إلى دائرة الضوء وربطه بالمنهج العلمي والوثيقة لا بالخيال السهل .
الدولة حين تتحول من حارس إلى راوي
ما يلفت الانتباه في المرحلة الأخيرة هو أن الدولة المصرية بدأت تنتقل من دور 
“ الحارس ” إلى دور “ الراوي ” .
المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى ضخم بل رسالة واضحة :
 نحن لا نعرض آثارنا فقط بل نعرض رؤيتنا لتاريخنا .
هذا التحول مهم جدًا، لأنه يعيد ترتيب العلاقة بين المواطن وتاريخه .
حين يرى المصري تاريخه معروضًا بطريقة تحترم عقله وتخاطب العالم بلغة واثقة يبدأ الإحساس بالانتماء في التشكّل من جديد .
استرداد الوعي قبل استرداد القطعة
في الحقيقة أرى أن استرداد الآثار خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية .
الأهم هو استرداد الوعي :
وعي بقيمة ما نملك وعي بكيفية تقديمه وعي بأن الحضارة المصرية ليست لغزًا سماويًا ولا معجزة غامضة بل نتاج عقل إنساني مصري وثّق كل شيء وترك شواهد لا تقبل الجدل .
إذا لم نمتلك نحن روايتنا سيكتبها غيرنا .
وإذا لم نُحسن تقديم تاريخنا سيُقدَّم نيابةً عنا وبما لا يشبهنا .
و هنا اقول أن التاريخ لا يطلب الدفاع بل الفهم .
التاريخ المصري لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى أسطرة ولا إلى صراخ .
يحتاج فقط إلى من يفهمه ويحترمه ويقدمه كما هو :
 إنسانيًا
 عميقًا ومتصلاً بالحاضر .
من استرداد الآثار إلى استرداد الوع
تلك هي المعركة الأهم وتلك هي المسؤولية التي لا يجب أن نهرب منها .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معركة الوعي هي السد المنيع الذي يحول دون تكرار سيناريوهات التفتت التي عصفت بدول كانت يومًا ذات ثقل إقليمي.

*استثمار الذات* *ثروة فكرية*

العنوان / الإنسان بين العلم والجهل .

•••الولاء الكامل للوطن أساس السياسة والمصلحة العامة في مصر •••

إنه التاريخ ياسادة،،،،،،،،،،،،،،،،،

الاستحواذ الوظيفي وأثره علي المجتمع ،

راحة البال وهدوء النفس هما حالة من الطمأنينة