ترليونات الخليج… وقوة الردع الغائبة
بقلم: أحمد المهدى صفوت
بينما تشتعل المنطقة على وقع الحروب والتصريحات التوسعية، ويواصل الاحتلال الإسرائيلي تثبيت تفوقه العسكري والتكنولوجي، يفرض سؤال نفسه بإلحاح:
أين ذهبت ترليونات الدولارات العربية، خصوصًا الخليجية، ولماذا لم تتحول إلى قوة ردع عربية حقيقية؟
على الورق، تمتلك الدول العربية — وخاصة دول الخليج — ثروات هائلة، فوائض مالية تاريخية، وصناديق سيادية تُعد من الأكبر عالميًا. لكن على أرض الواقع، تكشف أي مقارنة عسكرية جادة عن هشاشة بنيوية في منظومة الأمن العربي، وتفوق إسرائيلي واضح، ليس فقط في التكنولوجيا، بل في العقيدة العسكرية والاستقلال الاستراتيجي.
ثروة بلا سيادة عسكرية
أنفقت دول الخليج خلال العقود الأخيرة مئات المليارات على صفقات تسليح ضخمة، معظمها من الولايات المتحدة وأوروبا. غير أن هذه الصفقات، رغم ضخامتها، لم تُنتج جيوشًا مستقلة القرار، ولا منظومات ردع مكتملة السيادة.
السلاح موجود، لكن مفتاح التشغيل السياسي ليس عربيًا بالكامل.
فالغالبية العظمى من هذه الأسلحة:
مرتبطة بعقود صيانة وتشغيل خارجية
خاضعة لقيود استخدام وتحديث
بلا نقل حقيقي للتكنولوجيا
بلا صناعة عسكرية وطنية متكاملة
بمعنى أدق: ترسانات مستوردة لا جيوش مُصنِّعة.
إسرائيل: دولة صغيرة… بعقل دولة كبرى
في المقابل، نجحت إسرائيل — رغم محدودية مواردها الطبيعية — في بناء نموذج مغاير تمامًا:
صناعة عسكرية محلية متقدمة
تصدير للسلاح والتكنولوجيا العسكرية
استقلال نسبي في القرار العملياتي
ربط وثيق بين البحث العلمي والعقيدة العسكرية
الفارق الجوهري هنا ليس المال، بل الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
إسرائيل لا تشتري السلاح فقط، بل تصنعه، تطوره، وتعدّله وفق احتياجاتها.
لماذا لا تعتمد الدول العربية على نفسها؟
السؤال الأكثر إيلامًا:
لماذا لم تتحول الثروة العربية إلى مشروع عسكري-صناعي عربي مشترك؟
الجواب لا يكمن في نقص المال، بل في:
غياب التنسيق العربي الحقيقي
الخوف من استقلال القرار العسكري
ارتهان الأمن القومي للتحالفات الخارجية
تفكك الرؤية الاستراتيجية المشتركة
تغليب الأمن السياسي الداخلي على الأمن القومي الشامل
لقد اختارت بعض الأنظمة “الحماية” بدل “القدرة”، و“الضمانات” بدل “السيادة”.
ترليونات في الخارج… وأمن هش في الداخل
تُستثمر الترليونات العربية في:
سندات وأسواق غربية
أندية كرة قدم وشركات عالمية
مشاريع ترفيهية عملاقة
وكلها استثمارات مشروعة اقتصاديًا، لكنها بلا معنى استراتيجي إذا ظل الأمن القومي العربي هشًا، ومصيره مرهونًا بقرار خارجي قد يتغير في أي لحظة.
ليست المشكلة في ضعف الجندي العربي، ولا في شجاعة المقاتل، بل في منظومة قرار لم ترد يومًا أن يكون السلاح العربي مستقلًا بالكامل.
فالثروة التي لا تتحول إلى قوة، تتحول إلى عبء.
والسلاح الذي لا يُصنع محليًا، يظل مؤقت السيادة.
وفي منطقة لا تعترف إلا بالقوة، يبقى السؤال معلقًا:
هل تريد الدول العربية جيوشًا تحمي الأوطان… أم ترسانات تزيّن الميزانيات؟
تعليقات
إرسال تعليق