اختطاف رئيس فنزويلا… لحظة كاشفة في تاريخ التدخلات الدولية


بقلم: أحمد المهدي صفوت – صحفي وناشط حقوقي

في لحظة خاطفة، وجد العالم نفسه أمام حدث غير مسبوق في العلاقات الدولية، بعد إعلان الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية داخل فنزويلا أسفرت – وفق الرواية الأمريكية – عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج بلاده. ما بين من وصف ما جرى بـ«عملية قانونية لملاحقة متهمين بجرائم دولية»، ومن اعتبره «اختطافًا لرئيس دولة ذات سيادة»، انفجرت موجة جدل سياسي وقانوني تعكس حجم التحول الخطير الذي يشهده النظام الدولي اليوم.

العملية، التي قيل إنها نُفذت بسرعة ودقة عالية، لم تكن مجرد حدث أمني، بل كانت رسالة سياسية مباشرة: لم تعد حدود السيادة الوطنية عائقًا أمام القوة العسكرية حين ترى دولة عظمى أن مصالحها مهددة. هذا المنطق، الذي حاول العالم تجاوزه بعد حروب القرن العشرين، عاد اليوم بثوب أكثر جرأة، وأقل اكتراثًا بالقانون الدولي أو بالأطر الجماعية التي يفترض أنها تنظم العلاقات بين الدول.

من زاوية حقوقية، يطرح ما حدث في فنزويلا أسئلة مقلقة: هل يجوز لدولة أن تستخدم قوتها العسكرية لاعتقال رئيس دولة أخرى دون تفويض دولي؟ وهل يمكن تبرير ذلك باتهامات جنائية، مهما كانت خطورتها؟ وإذا فُتح هذا الباب، فما الذي يمنع تكراره في دول أخرى، وبذرائع مختلفة؟

المشهد يعيد إلى الأذهان مقارنة تاريخية لا يمكن تجاهلها: اعتقال الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003. صحيح أن السياقين مختلفان، لكن القاسم المشترك واضح. في العراق، سبق الاعتقال غزو شامل وحرب طويلة تحت شعارات كبرى، وانتهى الأمر بقبض القوات الأمريكية على رئيس الدولة بعد انهيار النظام. أما في فنزويلا، فالمسألة – وفق ما أُعلن – بدت كعملية نوعية سريعة، دون حرب معلنة، ودون غطاء دولي، وهو ما يجعلها أكثر إثارة للقلق.

ردود الفعل العالمية على الحدث كشفت حجم الانقسام الدولي. دول رأت في ما جرى انتهاكًا صارخًا للسيادة ومقدمة لفوضى قانونية عالمية، ودول أخرى تعاملت معه باعتباره ضربة لنظام سياسي طالما وُجهت إليه اتهامات بالفساد والقمع. هذا الانقسام بحد ذاته يعكس هشاشة النظام الدولي الحالي، وعجزه عن فرض قواعد موحدة تُطبق على الجميع دون استثناء.

التاريخ الحديث يقدم أمثلة أخرى لتدخلات خارجية أطاحت بزعماء أو أنظمة، كما حدث في بنما أواخر الثمانينيات، أو في حالات الضغط والتدخل غير المباشر في دول مثل هايتي. لكن الفارق هنا أن الحديث يدور عن رئيس دولة قائم، وفي عملية عسكرية عابرة للحدود، جرت في وضح النهار، وأُعلن عنها باعتبارها أمرًا واقعًا لا يحتاج إلى شرعية إضافية.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مصير فنزويلا أو رئيسها، بل في السابقة التي يتم ترسيخها. فإذا أصبح اختطاف أو اعتقال رؤساء الدول خيارًا مطروحًا في السياسة الدولية، فإن مفهوم السيادة سيتحول إلى شعار فارغ، وسيصبح القانون الدولي مجرد أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم الأقوياء، وتُهمل حين تعيقهم.

في النهاية، ما جرى في فنزويلا ليس حدثًا عابرًا في نشرة الأخبار، بل علامة فارقة تستحق التوقف أمامها طويلًا. إنها لحظة اختبار حقيقي: إما أن يستعيد العالم احترامه لقواعده وقوانينه، أو أن ينزلق أكثر نحو منطق القوة المجردة، حيث لا مكان للشرعية، ولا صوت يعلو فوق صوت السلاح.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معركة الوعي هي السد المنيع الذي يحول دون تكرار سيناريوهات التفتت التي عصفت بدول كانت يومًا ذات ثقل إقليمي.

*استثمار الذات* *ثروة فكرية*

العنوان / الإنسان بين العلم والجهل .

•••الولاء الكامل للوطن أساس السياسة والمصلحة العامة في مصر •••

إنه التاريخ ياسادة،،،،،،،،،،،،،،،،،

الاستحواذ الوظيفي وأثره علي المجتمع ،

راحة البال وهدوء النفس هما حالة من الطمأنينة