تحقيق علمي | «لقاح في كوب بيرة»… أين ينتهي الابتكار ويبدأ الجدل؟
اعداد/م.عماد سمير.
في عالم اعتاد الحقن المعقمة والمعامل المغلقة، ظهرت قصة بدت للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال:
عالم فيروسات أميركي يخمّر بيرة تحتوي على مكونات لقاح، ويشربها بنفسه لاختبار قدرتها على تحفيز المناعة.
القصة حقيقية، وبطلها عالم الفيروسات كريس باك (Chris Buck)، لكنها أبعد كثيرًا من العناوين المثيرة.
من هو كريس باك؟
كريس باك باحث بارز في المعهد القومي للسرطان بالولايات المتحدة، وواحد من العلماء الذين أسهموا في اكتشاف وفهم عائلة فيروسات تُعرف باسم Polyomaviruses، وهي فيروسات قد تُسبب مشكلات خطيرة لدى أصحاب المناعة الضعيفة، مثل مرضى زراعة الأعضاء.
هدف باك لم يكن صنع مشروب «سحري»، بل البحث عن طريقة أرخص وأسهل لإنتاج لقاحات، خاصة في عالم يعاني من فجوة هائلة في توزيع التطعيمات.
الفكرة من الجذور
تعتمد اللقاحات الحديثة في كثير من الأحيان على ما يُسمى الجزيئات الشبيهة بالفيروس (VLPs):
تشبه الفيروس في الشكل
لكنها لا تحمل مادته الوراثية
ولا تسبب المرض
هذه الجزيئات قادرة على خداع الجهاز المناعي ليبني دفاعًا قويًا دون أي عدوى حقيقية.
الجديد في تجربة باك هو وسيلة الإنتاج والتناول:
استخدم خميرة البيرة (نفس الخميرة المستخدمة منذ آلاف السنين)
عدّلها وراثيًا لإنتاج البروتينات الفيروسية
ثم استخدم الخميرة في تخمير بيرة
التجربة التي أشعلت الجدل
بعد رفض الجهات البحثية الرسمية السماح بتجارب بشرية تقليدية، قرر باك المضي في تجربة ذاتية.
شرب البيرة التي تحتوي على الخميرة المعدلة، ثم راقب استجابة جهازه المناعي.
النتيجة، وفقًا لما أعلنه:
ظهور أجسام مضادة ضد الفيروس المستهدف
عدم حدوث أعراض مرضية
الآثار الجانبية اقتصرت على تأثير الكحول نفسه
لكن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
لماذا رفضت المؤسسات العلمية؟
لم يكن الرفض بسبب «غرابة الفكرة»، بل لأسباب جوهرية:
عدم وجود جرعات دقيقة ومضبوطة
صعوبة فصل تأثير الخميرة عن تأثير الكحول
غياب بروتوكولات السلامة طويلة المدى
مخاوف أخلاقية من تشجيع شرب الكحول تحت غطاء صحي
العلم لا يرفض الجرأة، لكنه يرفض القفز فوق المراحل.
هل نحن أمام لقاح فعلي؟
الإجابة العلمية الصارمة: لا.
ما قدمه باك هو:
إثبات مبدئي لفكرة
تجربة استكشافية
نموذج بحثي غير معتمد
لم يخضع اللقاح ل....
تجارب سريرية منظمة
***مجموعات ضابطة
***تقييمات سلامة موسعة
***موافقات تنظيمية
وبالتالي، لا يمكن اعتباره علاجًا أو وسيلة وقاية للجمهور.
لماذا يهتم العلماء رغم ذلك؟
لأن خلف «بيرة اللقاح» فكرة أخطر وأعمق:
لقاحات فموية منخفضة التكلفة
لا تحتاج إلى تبريد
يمكن إنتاجها محليًا
مناسبة للدول الفقيرة والمناطق النائية
الفكرة الجوهرية ليست الكحول، بل الخميرة كوسيط مناعي.
الخيط الفاصل بين الجرأة والتهور
تجربة كريس باك تضعنا أمام سؤال فلسفي علمي:
هل كل فكرة غير مألوفة يجب أن تُرفض؟
أم أن بعض الاختراقات تبدأ دائمًا من منطقة «غير مريحة»؟
الابتكار الحقيقي غالبًا ما يولد على حافة الجدل، لكن تحوله إلى طب آمن يتطلب وقتًا، وانضباطًا، وقواعد لا يمكن تجاوزها.
الخلاصة
لم يُخترع لقاح يُشرب، ولم تصبح البيرة علاجًا.
لكن تجربة كريس باك كشفت أن المستقبل قد لا يشبه ما اعتدناه، وأن أبسط الكائنات — كالخميرة — قد تحمل مفاتيح حلول لأعقد أمراض البشر.
إنها ليست قصة لقاح… بل قصة كيف يفكر العلماء خارج الصندوق، ثم يعودون إليه ليُثبتوا أفكارهم بالدليل.
تعليقات
إرسال تعليق