رؤساء الأحياء والمحليات.. بين التوجيهات الرئاسية والتعسف الإداري
بقلم / سامح رياض
تخوض الدولة المصرية تحت قيادة فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي معركة بناء وتنمية غير مسبوقة، وتشهد البلاد حراكاً تشريعياً وتنفيذياً يهدف في مقامه الأول إلى حفظ كرامة المواطن وتوفير حياة كريمة له. إلا أننا في كثير من الأحيان، نصطدم بممارسات غير مسؤولة من بعض قيادات الإدارة المحلية ورؤساء الأحياء والمراكز، ممارسات تكاد تعصف بجهود الدولة وتخلق حالة من الاحتقان الشديد في الشارع، وكأن هؤلاء الموظفين يعيشون في جزر منعزلة بعيداً عن فكر ورؤية القيادة السياسية التي تضع المواطن أولاً.
إن نموذج التعامل مع الباعة الجائلين والمواطنين البسطاء يوضح الفجوة الكبيرة بين فكر الرئيس وممارسات المحليات؛ فحينما تحدث فخامة الرئيس عن الباعة الجائلين، قال بوضوح وإنسانية الأب والمسؤول: "البائع المتجول النهارده أنا لما أشيله من الشارع هيأكل عياله منين؟ ما أنا لازم أفكر له في مكان قبل ما أشيله من قدامي، يعني أنا أشيله وأروح أحبسه يعني؟! طب عياله دول هيأكلوا منين؟!". هذه هي الفلسفة الراقية للقيادة السياسية التي تدرك أن خلف كل بائع أسرة تتطلع للعيش الكريم.
ولكن على أرض الواقع، نجد رئيساً لمركز ومدينة طوخ ينزل إلى الشارع ليضرب بضائع البسطاء بركلات قدميه وينثرها في مشهد يفتقر لأدنى معاني الإنسانية، متناسياً الدرس التاريخي القاسي؛ بأن ثورات الربيع العربي التي قامت وخرّبت البلاد وأسقطت أنظمة، لم تكن شرارتها الأولى إلا بسبب قهر بائع متجول، ضربوه وأهانوه ومنعوه من البيع وقطعوا رزقه في دولة تونس، فكانت النتيجة المأساوية أنه اشعل النيران في نفسه، لتشتعل من بعده شرارة الفوضى والثورات في الدول العربية كافة! فهل يعي هؤلاء المسؤولون والموظفون المتخلفون عقلياً والذين يفتقرون لأبسط طرق التعامل مع البشر، أن تصرفاتهم الرعناء قد تكون هي شرارة الشرر التي تحرق الأخضر واليابس، وأنهم يخدمون مصلحة هدم الدولة من حيث لا يعلمون؟
ولا يتوقف الأمر عند تجاهل منهج الرئيس مع البسطاء، بل يمتد إلى التقاعس الصارخ عن تنفيذ الأوامر الرئاسية المباشرة التي تمس حياة المواطنين؛ فحينما أمر فخامة الرئيس ببناء سور لحماية الأرواح على ترعة المريوطية، تراخت المحليات ورؤساء الأحياء ولم ينفذوا القرار، وكانت النتيجة المأساوية التي أدمت قلوب المصريين هي سقوط سيارة وغرق أسرة كاملة ووفاتها في الترعة! أين كان رؤساء الأحياء من هذه الأوامر؟ ولماذا يدفع المواطن حياته ثمناً لإهمال وتقاعس الموظفين؟
وفي مقابل هذا التقاعس عن تنفيذ المشروعات القومية لحماية الأرواح، نجد همة ونشاطاً مفاجئين من رؤساء الأحياء في أمور تثير الريبة وعلامات الاستفهام؛ إذ نرى "المطب الصناعي" يُقام قبل المنحنى الخطر بـ 900 متر! ولماذا في هذا المكان تحديداً؟ لنجد الإجابة الصادمة: لأنه يقع أمام "محل مشهور" أو منشأة لصاحب نفوذ، لتجبر كل السيارات على التهدئة أمامه كنوع من المجاملة الفجة، دون أدنى مراعاة لمعايير السلامة المرورية أو هندسة الطرق! فأين الرقابة الحقيقية على رؤساء الأحياء الذين يتركون الواجبات القومية ويتفرغون للمجاملات الشخصية؟
إن هذا الخلل يمتد أيضاً إلى غياب الرؤية والتخطيط، والتعسف في اتخاذ القرار، كما حدث في مجلس مدينة بني مزار بمحافظة المنيا؛ ففي خطوة غير مبررة، يتم هدم وإزالة سوق رسمي للمواشي، أُنشئ بأوراق رسمية وطبقاً للمواصفات الحديثة بعيداً عن الكتلة السكنية والتزاحم والطرق العامة، وفي المقابل، يُترك سوق عشوائي للمواشي في قلب الكتلة السكنية وبين الأبراج الشاهقة، ليتحرك وسط أطفالنا مسبباً خطراً داهماً على حياتهم، فضلاً عن التلوث والأمراض. فأي منطق إداري هذا الذي يهدم النظام ويترك العشوائية؟!
والأدهى من ذلك، هو غياب الدور الاستباقي للمحليات والانتظار حتى يقع الفأس في الرأس؛ أين كان هؤلاء المسؤولون عندما شُيدت المباني المخالفة وضخ المواطنون فيها شقاء عمرهم؟ لماذا يتركون الأمور حتى تكتمل ثم يأتون بالبلدوزرات للهدم، في مشاهد مأساوية تدمي القلوب، كمشهد تلك السيدة من أبناء محافظة المنيا —أرض الملكة نفرتيتي ورمز العزة والجمال— وهي تضطر للانحناء لتقبيل قدم رئيسة مجلس المدينة لمنع هدم بيتها! إنها مشاهد لا تليق بمصر الجديدة، ولا بكرامة المواطن التي يوصي بها رئيس الجمهورية في كل محفل.
إن هذه التصرفات الصادرة من موظفين لا يحملون أي حس وطني أو سياسي، لا تضر المواطن وحده، بل هي معول هدم لإنجازات الدولة، وشرارة خطر قد تشعل فتناً نحن في غنى عنها. على السادة المحافظين ووزير التنمية المحلية والأجهزة الرقابية تفعيل الرقابة الصارمة والضرب بيد من حديد، ومحاسبة كل مسؤول محلي يظن أن كرسيه سلطة مطلقة لإذلال المواطنين وتخريب بيوتهم ومجاملة المعارف، بدلاً من أن يكون أداة للبناء والتنمية وحفظ أرواح البشر واستقرار الوطن.
تعليقات
إرسال تعليق