الإسقاط النفسي... عندما نرى ما بداخلنا في الآخرين
كتبت هذا المقال أ هبة رأفت أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
كثيرًا ما نسمع شخصًا يتهم غيره بصفات قد تكون موجودة فيه هو، أو يفسر تصرفات الآخرين بطريقة تعكس مشاعره الداخلية أكثر مما تعكس الواقع. في علم النفس يُعرف هذا السلوك بـ الإسقاط النفسي، وهو إحدى آليات الدفاع النفسي التي قد يستخدمها الإنسان – غالبًا دون وعي – لتخفيف التوتر أو تجنب مواجهة مشاعر أو صفات يصعب عليه تقبلها في نفسه.
فقد يتهم شخصٌ غيره بالكذب وهو يخشى اكتشاف كذبه، أو يتهم الآخرين بالأنانية بينما يعاني هو من الأنانية، أو يظن أن الجميع يكرهه بينما يكون في الحقيقة فاقدًا للثقة بنفسه. ولا يعني ذلك أن كل اتهام أو انتقاد هو إسقاط نفسي، فقد يكون أحيانًا ملاحظة صحيحة، ولذلك لا ينبغي استخدام مفهوم الإسقاط لتفسير كل خلاف أو كل نقد.
لماذا يحدث الإسقاط النفسي؟
يحدث الإسقاط لعدة أسباب، منها ضعف القدرة على مواجهة الذات، أو انخفاض تقدير النفس، أو الشعور بالذنب، أو الخوف من الرفض، أو التعرض لضغوط نفسية شديدة. وفي هذه الحالات يصبح من الأسهل على الشخص أن ينسب ما يزعجه في نفسه إلى الآخرين بدلًا من الاعتراف به والعمل على تغييره.
من هم الأكثر عرضة للإسقاط؟
يمكن لأي إنسان أن يلجأ إلى الإسقاط في بعض المواقف، خاصة أثناء الضغوط والانفعالات، لكنه قد يظهر بصورة أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف الوعي بالذات، أو انخفاض الثقة بالنفس، أو صعوبة تنظيم المشاعر، أو بعض الاضطرابات النفسية أو اضطرابات الشخصية. ومع ذلك، فإن وجود الإسقاط وحده لا يعني أن الشخص مصاب باضطراب نفسي، فهو قد يظهر بدرجات متفاوتة لدى كثير من الناس.
كيف نتعامل مع الشخص الذي يستخدم الإسقاط؟
إذا شعرت أن شخصًا ما يوجه إليك اتهامات لا تستند إلى أدلة، فلا تتسرع في الدفاع عن نفسك أو الدخول في جدال طويل. استمع بهدوء، وقيّم كلامه بموضوعية، فإن كان النقد صحيحًا فاستفد منه، وإن لم يكن كذلك فلا تجعله يهز ثقتك بنفسك.
تجنب الرد بالغضب أو الإساءة، وضع حدودًا واضحة إذا أصبح الحوار مؤذيًا. وإذا كان الشخص قريبًا منك، فحاول توجيه الحديث إلى الوقائع بدلًا من الاتهامات، وشجعه – بلطف – على التعبير عن مشاعره الحقيقية بدلًا من إلقائها على الآخرين.
كيف نحمي أنفسنا من الإسقاط؟
ابدأ دائمًا بمراجعة نفسك، واعترف بمشاعرك وأخطائك دون خوف. فكلما زاد وعي الإنسان بذاته، قلت حاجته إلى استخدام آليات الدفاع النفسية. كما أن تقبل النقد البنّاء، والتعبير الصحي عن المشاعر، وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة، كلها أمور تساعد على النمو النفسي السليم.
ليس كل من ينتقدك يُسقط مشاعره عليك، وليس كل من يتهمك مخطئًا. لكن عندما تتكرر الاتهامات غير المنطقية، أو تشعر أنها تعكس صراعات الطرف الآخر أكثر مما تعكس حقيقتك، فمن الحكمة أن تتعامل معها بهدوء ووعي، دون أن تسمح لها بأن تهز تقديرك لذاتك.
إن فهم الإسقاط النفسي لا يهدف إلى الحكم على الآخرين، بل إلى زيادة وعينا بأنفسنا وتحسين جودة علاقاتنا، فكلما عرف الإنسان نفسه بصدق، أصبح أكثر قدرة على رؤية الآخرين كما هم، لا كما تملي عليه مخاوفه ومشاعره.
بقلم:
أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
تعليقات
إرسال تعليق